تخطَّ إلى المحتوى

تفسير ابن كثير - الشيخ عادل الرحيلي ( لم يراجع التفريغ الشيخ )

الحمد لله رب العالمين،وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإن تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى ، من أعظم التفاسير ، وقد أثنى أهل العلم على هذا التفسير ، فذكر السيوطي رحمه الله تعالى : بأنه لم يؤلف تفسير على نمطه . وقال الشوكاني رحمه الله تعالى : هو أحسن التفاسير ، إن لم يكن أحسنها . وقد أثنى أئمة الدعوة النجدية على تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. وقد كان الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى يٌقرَأٌ عليه هذا التفسير أربعة أيام في الأسبوع ؛ لعظم هذا التفسير ، ولمكانته العلمية عند العلماء.

ولد الحافظ ابن كثير في سنة سبعمائة من الهجرة ، وقد توفي والده وكان عمره ثلاث سنوات ، وعاش رحمه الله تعالى يتيما . وقد كان والده من أهل العلم والخطابة ، وتعلم العربية ، وكان له أولاد ، وكانت أم الحافظ ابن كثير اسمها مريم بنت فرج ، وكانت امرأة صالحة . وقد تزوج والد الحافظ ابن كثير قبل أم الحافظ رحمه الله بمرأة ، ورزق منها أولاد ، ومنهم اسماعيل . و اسماعيل رحمه الله وهو الولد الأكبر ، كان والده يحبه حبا عظيما ، وحفظ كتبا في الفقه ، وحفظ القرآن ، ثم سقط من بيت فمات رحمه الله رحمة واسعة.

وتأثر والده تأثرا بالغا ، ولما رزق بولد ، وهو أصغرهم ، هو الحافظ ابن كثير ، سماه إسماعيل . وقد نشأ الحافظ ابن كثير نشأة علمية ، وحفظ القرآن في سن مبكرة . والقرآن يا عباد الله ، هو مصدر العلوم . حفظ القرآن ، ولما حفظ القرآن كان عمره إحدى عشرة سنة . وتعلم رحمه الله تعالى ، وسمع الأحاديث ، فسمع صحيح مسلم ، في تسعة أيام ، رحمه الله رحمة واسعة . واعتنى بكتب السنة ، وكان له عناية بالحديث ، وبعلوم العربية ، وبأصول الفقه ، وقرأ التفسير ، ودرس على علماء أجلاء ، كابن تيمية رحمه الله والحافظ الذهبي ، وأبو الحجاج المزي ، درس عليهم رحمه الله رحمة واسعة .

فلما درس عليهم استفاد ، وعاش في دمشق ، وكانت دور العلم منتشرة في دمشق ،وكانت المدارس فيها أكثر من مئة مدرسة . وكان الحافظ ابن كثير له عناية بمسند الإمام أحمد ، حتى قال العلامة المصري أحمد شاكر : أنه كان يستحضر المسند . وكان له عناية فائقة بمسند الإمام أحمد ، وقد كانت الأسباب في نبوغ الحافظ ابن كثير : منها أنه نشأ نشأة صالحة ، و اهتم الوالدان بهذا الولد . ومنها أنه كان مٌقام الحافظ بدمشق ، تلك المدينة الجميلة التي كان يستوطنها العلماء ، كابن تيمية وابن القيم رحمه الله رحمة واسعة ، ومع ذلك من أسباب نبوغه : أنه حفظ القرآن في سن مبكرة .

والقرآن فيه من العلوم والمعارف ما لا يعلمه إلا الله . وقد قال ابن القيم رحمه الله في هذا الكتاب العظيم : فيه من علم العربية ما لم يذكره العرب ، وفيه من علم البلاغة ما لم يذكره البلغاء ، وفيه من علم الجدل ما لم يذكره الجدليون ، وفيه من علم الفقه ما لم يذكره الفقهاء . وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأولين والآخرين فَلْيُثَوِّرِ القرآن .فنحن بحاجة ماسة إلى هذا الكتاب العظيم ،بأن نعرف معانيه وأن نقرأه . فإن في القرآن من العلم العظيم .

وقد عاش الحافظ ابن كثير في دولة المماليك ، وكان العالم الإسلامي يضطرب بفتن عظيمة ، غزى هؤلاء التتر الكفار الأمة الإسلامية فاجتاحوها ، وقتلوا كثيرا من العلماء ، ورموا بكثير من الكتب . ولما رأى النصارى الأخباث هؤلاء التتر ، قتلوا المسلمين في بيت المقدس ، حتى قتلوا ما يزيد عن ستين ألفا . مع اضطراب العالم الإسلامي ، ومع كثرة الفتن ، ومع سقوط الدولة العباسية ، وكان سبب ذلك الوزير الخبيث ، ابن العلقمي الرافضي . لقد كان سببا في سقوط الدولة العباسية .

ومع ذلك مع اضطراب الفتن ، إلا أن العلماء يهتمون بالعلم الشرعي ، لأن العلم الشرعي هو سبب الأمن ، وهو سبب الأمان . قال الله تبارك وتعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾[ النور: 55] فالعلم سبب الأمن والاهتداء ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [ سورة الأنعام: 82] .

وكان هؤلاء المماليك ، كان الحاكم فيهم يكون في مصر ، ويجعل له نوابا في بلاد الشام وفي عدة بلدان . وكانت دولة المماليك تحث على العلم الشرعي ، وكانوا يفتحون المدارس ، وكانوا يهتمون بالقرآن الكريم ، وبعض المماليك كالناصر محمد بن قلاوون ، يرسل ابوابا حديدية للكعبة ، وكانوا يهتمون بمساجد المسلمين في كل مكان . مع هذا كان للعلماء دور عظيم في تعليم الناس ، وفي تأليف الكتب ، حتى أن الكتب التي ألفت في حقبة دولة المماليك ، في عهد الحافظ ابن كثير ، في عهد ابن تيمية ، كتب لا يعلمها إلا الله .

والمكتبات الإسلامية تزخر بهذه الكتب ، ألفوا كتباً في الحديث وشرحوا كتباً في الحديث ، وبرع فيهم المزي رحمه الله تعالى ، ككتابه تحفة الأشراف ، وابن تيمية ألف أموراً في الحديث ، شرح حديث ( لا يزني الزّاني وَهوَ مؤمنٌ ) ، وشرح حديث ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) . وكان لهم اهتمام في علم القراءات ، فألف الذهبي الطبقات للقراء . وكان لهم اعتناء بعلم العقيدة ، فبرع ابن تيمية في هذا الباب فألف كتباً عظيمة ، وضرب أهل الباطل كل فرقة بسهم ،وكسر باطلهم رحمه الله رحمة واسعة .

وبرع الحافظ ابن كثير في جانب السيرة ، فألف البداية والنهاية. هنا نعلم أن العلماء لا يشتغلون بأمور السياسة المضرة ، بل يصلحون الناس ! بل يصلحون الناس ! ويردون الناس إلى دينهم ؛ لأن الرد إلى الدين ، والرد إلى الكتاب والسنة ، هو سبب الأمن . هذا ابن تيمية رحمه الله ما اشتغل بالسياسة ، ولم يكن يطمع في المٌلك ، رحمه الله رحمة واسعة ، كان أهم شيء عنده أن يبصر الناس بأمر دينهم ، رحمه الله ، ويحثهم على أمر دنياهم.

بخلاف دعاة الفتنة في هذا العصر ، وعلماء الضلالة منهم ، كم أضرّوا المسلمين ، بهذا الفقه المزعوم ، وهو فقه الواقع . كم شَرَّدو من المسلمين ، كم كانوا سببا في سقوط دول . وما أحداث الربيع العربي - كما يسمونه - عنّا ببعيد . لما حصلت الفتن في سوريا ، أفتى الشيخ صالح الفوزان مفتي المملكة بأن : القتال في سوريا قتال فتنة . فخرج بعض دعاة الفتنة وتكلموا في الشيخ الفوزان ، وطعنوا فيه أشد الطعونات ، ومع ذلك مرت السٌنون ورأينا الأمور بوضوح ، وأن الشيخ الفوزان حفظه الله قد أصاب .

وهذا التفسير الذي بين أيدينا ، وهو تفسير الحافظ ابن كثير ، فيه أكثر من نَيِّفْ وستين مئة من الكتب . قد تأثر الحافظ ابن كثير في تفسيره بابن جرير الطبري ؛ لأن شيخه ابن تيمية كان يحث على هذا التفسير ، ويقول : هو من أجل التفاسير . وتأثر الحافظ ابن كثير بابن تيمية كما في مقدمة تفسيره ، فقال رحمه الله : فإن قيل فما أحسن طرق التفسير . هذه ذكرها في المقدمة وقد أخذها من ابن تيمية رحمه الله . تأثر الحافظ ابن كثير بتفسير القرطبي ، بتفسير البغوي , بتفسير فخر الدين الرازي، تأثر بتفسير الزمخشري ، ومع ذلك كان ينبه على اعتزاليات الزمخشري . لهذا لا يقرأ تفسير الرازي ولا تفسير الزمخشري إلا عالم ، كالحافظ ابن كثير أو الشنقيطي رحمهما الله تعالى .

ولا يجوز لطالب العلم أن يقرأ تفسير الرازي ؛ لأن الرازي في تفسيره من المخالفات العقدية الشيء الكثير ، ولا يجوز لطالب العلم أن يقرأ تفسير الزمخشري . يحذر أشد الحذر من ذلك ؛ لأن اعتزاليات الزمخشري تأخذ بالمنقاش ، فلما جاء عند قوله تبارك وتعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [ آل عمران: 185] قال : وأي فوز أعظم من هذا الفوز ؟ وهو يريد أمرا ، يريد أن ينكر رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة .

الحذر الحذر ! ، هذا دين ! ، كتب السنة فيها الخير ، فيها الكفاية ، فيها العلم العظيم . كذلك من مصادر التفسير في تفسير الحافظ ابن كثير : كتب السنة . ككتاب صحيح البخاري ، ومسند الإمام أحمد . فإن الحافظ ابن كثير ، مثل ما أرسل لي بعض الإخوة ، الأخ عبدالحكيم بالأمس أرسل في المجموعة : أن ثلاثة يستحضرون مسند الإمام أحمد وهم ابن القيم وابن تيمية وابن كثير رحمهم الله. هذا قاله العالم المصري أحمد شاكر رحمه الله وقد كان للعالم المصري السلفي أحمد شاكر عناية بتفسير ابن كثير ، وأثنى على هذا التفسير في مقدمة عمدة التفسير .

من مصادر الحافظ ابن كثير : كتب اللغة ، ذكر الكتب الصحاح ، وكتب العقائد كالرد على الزنادقة وغيرها . الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عاش وعَلَّم الناس ، كان الحافظ ابن كثير يٌعَلِّم الناس ، وكانت له في اليوم ستة مواعيد في تعليم الناس ، فدَرَّسَ في المدرسة الأشرفية ، ودَرَّسَ في الجامع الأموي ، ودَرَّسَ في مدرسة النجيبية ، ودَرَّسَ في عدة مدارس رحمه الله . ومن عجيب الحافظ ابن كثير ، أن شيخه يثني عليه ، يعني الشيخ يثني على الطالب ، فالذهبي أثنى على الحافظ ابن كثير ، لمَّا ترجم للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى قال : هو العالم الناقد المتفنن المفسر رحمه الله رحمة واسعة.

توفي الحافظ بن كثير في سنة أربع وسبعين بعد السبعمائة ، وكف بصره في آخر عمره رحمه الله رحمة واسعة . منهج الحافظ ابن كثير في التفسير ، ذكر الحافظ ابن كثير في مقدمة التفسير ، وستأتينا إن شاء الله غدا المقدمة ، ذكر كلام ابن تيمية رحمه الله : فإن قيل فما أحسن طرق التفسير ؟قال : تفسير القرآن بالقرآن . فما أٌجْمِلَ في مكان ، وٌضِّح في مكان آخر. مثل ما قال الله عز وجل ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ [ سورة المائدة: 1] ، هنا إجمال ، فسرتها الآية ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ سورة النحل: 115]مثل ما إذا أٌجْمِلَ في مكان ، فٌسر في مكان آخر . ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [ البقرة: 65] فسرتها الآية الأخرى ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾[ الأعراف: 163] .

من منهج الحافظ ابن كثير أنه يفسر القرآن بالسنة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرآن من عدة نواح ، ومن عدة أمور . فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مر إشكال في آية ، فسر هذه الآية . كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾[ سورة الأنعام: 82] فسر الظلم بأنه الشرك . وفسر صلى الله عليه وسلم قوله تبارك وتعالى ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [ سورة الكوثر: 1] وفسر صلى الله عليه وسلم (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] وقد يكون تفسير الآية بواقع النبي صلى الله عليه وسلم العملي ، فالله عز وجل قال : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [ البقرة: 43] فسرتها السنة ، وذكرت شروط الصلاة وأركان الصلاة ، وواجبات الصلاة وعدد الصلاة ، ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [ البقرة: 43] فسرتها السنة . كذلك من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن : أخلاقه صلى الله عليه وسلم . سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها كيف كان خٌلٌق النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان خٌلٌقه القرآن . قال الحافظ ابن كثير : ومعناه ما أمره القرآن ائتمر به ، وما نهاه القرآن ، انتهى عنه صلى الله عليه وسلم .

ومن منهج الحافظ ابن كثير رحمه الله : أنه يفسر القرآن بأقوال الصحابة . فأقوال الصحابة مهمة في التفسير ، والصحابة رضي الله عنهم شهدوا التنزيل ، ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم أهل اللسان وأهل الفصاحة ، وزكاهم الله عز وجل من فوق سبع سماوات . فمن المفسرين ابن عباس رضي الله عنه ، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اللَّهمَّ فقِّهْهُ في الدِّينِ وعلِّمْهُ التَّأويلَ ) . وكان عمر رضي الله عنه يٌدْخِل ابن عباس رضي الله عنه مع أشياخ بدر ، وكأن الصحابة رضي الله عنهم وقع في أنفسهم ما يقع في قلوب البشر ، كيف يٌدْخِل عمر ابن عباس رضي الله عنه وعندنا أبناء بعمره . فأراد عمر الفاروق أن يختبرهم ، فسألهم عن قوله تبارك وتعالى : ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [ سورة النصر: 1] وكان بعض الصحابة يقولون : إذا فتحت مكة.. -ويفسرون- ، فقال عمر رضي الله عنه : ما تقول يا ابن عباس ؟ قال أَجَلٌ النبي صلى الله عليه وسلم . فَأَقَرَّهٌ عمر رضي الله عنه.

بل جاء في البخاري ، وسيأتينا عند قوله تبارك وتعالى ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [ البقرة: 266] أن عمر رضي الله عنه قال يوما : في من نزلت هذه الآية ؟ فقالوا الله أعلم . فغضب عمر فقال : قولوا ندري أو لا ندري . فقال ابن عباس رضي الله عنه : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين . -وانظر إلى التربية العمرية- قال له عمر : قل ولا تحقر نفسك ! فقال: ضربت لغني فَأَقَرَّهٌ عمر رضي الله عنه.

فإن لم نجد تفسير القرآن بأقوال الصحابة ، ننتقل إلى تفسير المرحلة الرابعة ، تفسير القرآن بأقوال التابعين وخصوصا مجاهد ، وقال مجاهد : عَرَضْتٌ المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضَات ، أَقِفٌه عند كل آية وأسأله عنها . ويقول سفيان الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.

فإن لم نجد تفسير القرآن بأقوال التابعين ، نفسر القرآن باللغة العربية . وأهم شيء أن لا يعارض التفسير بالرأي التفسير بالمأثور . وقد قال الشيخ الألباني كلمة عظيمة في كتابه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أراد أن يفسر القرآن بمعزل عن السنة ، فلن يستطيع ، ولو كان مثل سيبويه زمانه . فالسنة شارحة لكتاب الله عز وجل ، فالله تبارك وتعالى قال : ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [ النحل: 44] .

كذلك من منهج الحافظ ابن كثير ، موقف الحافظ ابن كثير من الإسرائيليات -وسيأتينا إن شاء الله- . جاءت الشريعة الإسلامية بالتحديث عن بني إسرائيل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا حَرَجَ ) . ذكر الحافظ ابن كثير الموقف الشرعي من الروايات الإسرائيلية إذا كانت هذه الرواية موافقة لكتابنا ، فنقبلها . وإن كانت الرواية مخالفة لكتابنا ، فنردها . والثالثة لم يرد الموافقة عليها ولا المخالفة فنسكت .

طيب ، تقول ما الفائدة من روايات بني إسرائيل ؟ فذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية : أن نأخذ العظة والاعتبار بذلك . و إن شاء الله غدا أكمل بإذن الله في منهج الحافظ ابن كثير في تفسيره . وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن عنده سؤال فليتفضل .